خليل الصفدي

17

نكت الهميان في نكت العميان

أجناسها وأنواعها ، والقوة المخيلة قادرة على أفعالها في جميع الأحوال ، إلا أنها لا تتصور الأشياء باختيارها ؛ لأنها ليست قوة إرادية ، وإن كان الأعمى قد ولد أكمه ولم ير الوجود ولا ما فيه من المرئيات ، فهذا يرى الأحوال التي يقابلها ويباشرها ، كما أنه يرى أنه يأكل ، أو أنه يشرب ، أو أنه راكب على فرس أو حمار ، أو أنه يخاصم آخر ، إلى غير ذلك من الأحوال التي يباشرها . وقد قال الرئيس ابن سينا : إن المولود يضحك بعد الأربعين يوما ، ويرى الرؤيا بعد أربعة أشهر . قلت : الظاهر أنه ما يرى إلا أنه يرضع ثدي أمه ، فإنّا نشاهد كثيرا من الأطفال يكون نائما وهو يرضع ولا ثدي في فمه ، وكذلك نرى كثيرا من الخيل وهو واقف نائما ، ثم إنه في أثناء ذلك يصهل وهو نائم ، كأنه يرى أنه بين خيل يألفها أو ما أشبه ذلك . وقال أرسطو في كتاب الحيوان : إن الكلاب ترى الأحلام في منامها ، وأما أن الأعمى الذي ولد أكمه ولم ير العالم ، فإنه لا يرى في نومه شمسا ، ولا قمرا ، ولا نجوما ، ولا سماء ، ولا أشجارا ، ولا بحارا ، ولا غير ذلك مما لم ترسمه المخيلة منه ، فهذا هو وجه الصواب في هذه المسألة على ما فصلته ، واللّه أعلم . علاوة : قال العابرون : من رأى في منامه أنه عمى ، دلت رؤياه على الغنى ، وإن حلف يمينا لم يحنث ؛ لقوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [ النور : 61 ] . ومن رأى أنه أعمى ، فإنه ينسى القرآن ؛ لقوله تعالى : قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [ طه : 125 ، 126 ] . ومن رأى أن إنسانا أعماه فإنه يضله ، وإن كان كافرا فرأى أن إنسانا أعماه فإنه يزيله عن رأيه . قالوا : والأعمى رجل فقير يعمل أعمالا لا تضر به في دينه لسبب فقره ، فإن رأى كافرا أنه أعمى فإنه يصيب خسرانا ، أو غرما ، أو همّا ، فإن رأى أنه أعمى ملفوف في ثياب جدد فإنه يموت . قالوا : ومن رأى أنه أعمى ، فإن عليه غزوة أو حجة ؛ لقوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] ، فإن رأى أعمى أن ساقيا سقاه شرابا ، فإن الساقي يرشده إلى منافع تنزل به ويتوب ويتمول .